ثورة تلقائية ولكن النظام مازال متمسكا بالبقاء
ماسيمو كامبانيني، استاذ في جامعة الدراسات الشرقية في نابولي 3 February 2011

بدون شك، أحد الجوانب المشرقة التي نراها اليوم هي المشاركة الشعبية في الحركة التلقائية وغير المنسقة مسبقا التي تجتاح المجتمع المصري ونرى نساءاً وشبابا بين المتظاهرين. الظروف الاقتصادية الصعبة في بلد يشهد انتشارا واسعا لجيوب الفقر تمثل ميراث عدة سنوات من الصراع الاجتماعي – خصوصا في القطاع الصناعي – الذي لم يتخذ ابدا شكل المطلب السياسي على الرغم من وجود مؤشرات لتذمر عميق، التردي الذي نتج عن السيطرة الحكومية الاستبدادية على التعبيرات الديمقراطية للمشاركة والمعارضة بدءا من الانتخابات (مثل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي)، يمتزج مع التزوير والعنف، وانتشار الفساد والزبائنية السياسية، بما يعكس طبيعة نظام مبارك بأكمله وحزبه الوطني الديمقراطي، وهي كلها عناصر تنتج خليطا متفجرا يمكن ان تشعله شرارة واحدة فقط.

الاحتجاج ضد النظام كان يجب أن يصبح حركة جماهيرية، فحتى مع وجود العديد من أحزاب المعارضة، يبدو أنها أحزاب نخبوية وبعيدة عن التعبير عن ارادة الشعب. وهي منخرطة في صراعات غير قابلة للحل تؤثر على قدرتها وادائها. العديد من المراقبين اعتبروا أن هذا الضعف في المعارضة هو أحد أسباب استمرار النظام والركود السياسي في مصر. حتى الاخوان المسلمين، الذين يشكلون أحد التيارات السياسية المعارضة الأكثر جدية، اتخذوا في كثير من الاحيان وضع انهزاميا ولم يشاركوا في الصراعات الاجتماعية خلال السنوات الاخيرة مفضلين ان يرضخوا للاضطهاد من قبل شرطة مبارك واجهزته الامنية ولتزوير الانتخابات (الذي قلص حصتهم في البرلمان من 88 الى مقعد واحد فقط ) بدلا من المخاطرة بالخروج الى الشوارع مع انصارهم الكثيرين. صحيح ان الاخوان المسلمين اليوم – وبعد شئ من عدم اليقينية والوضوح – رحبوا بالحركة الاحتجاجية، وصحيح ايضا ان بامكانهم ان يفسروا الثورة ذات الصبغة العلمانية الواضحة وفق المفاهيم الدينية. ولذلك من الصواب القول إن موقف الاخوان المسلمين يمكن أان يكون متغيرا مهما لفهم المجرى المستقبلي للاحداث.

الوضع يغدو أكثر تعقيدا مع حقيقة أن الانتخابات الرئاسية ستقام في سبتمبر/ ايلول 2011. الحزب الوطني الديمقراطي وعائلة حسني مبارك ترغب بأن يتولى جمال، الابن الاكبر لمبارك، الرئاسة. مجموعة جمال من التكنوقراط الاصلاحيين المعتدلين ورجال الاعمال يمثلون “الحرس الجديد” للحزب الحاكم. لكن ثورة يناير/كانون الثاني 2011 قضت على هذا الاحتمال وكذلك فرص اعادة انتخاب مبارك نفسه، والذي يعد أهون الشرين لضمان استمرارية النظام.

ان تعيين رئيس المخابرات عمر سليمان كنائب للرئيس وكخلف محتمل له يبدو انه ينطوي على نية العمل على استمرارية النظام السابق وبشكل تم تصميمه لانقاذ مايمكن انقاذه. وصحيح ماقا له بعض المتظاهرين من أن مبارك يريد أن يغير كل شئ بشكل “يبقى فيه كل شئ على حاله”. لكن تعيين سليمان يزيل كل الآمال التي قد تراود عائلة مبارك وعصبته، أو في الاقل انها تضع هذه الآمال في اطارها الصحيح. يجب مراجعة ما اذا كان منافسون اخرون على الرئاسة، مثل محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل، والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ستكون لديهم القدرة الكافية على تحدي محاولات النظام للبقاء. سيعتمد الكثير على مدى تمسك الحشود المتظاهرة والحركة المعارضة بفرض ارادتهم للقطع مع الماضي. فالبرادعي، الذي امضى سنوات كثيرة في الخارج، يستحوذ عمله في المنظمات الدولية مثل وكالة الطاقة الذرية الدولية على كل وقته، لايمكن ان يعتبر ممثلا حقيقيا للارادة الشعبية المصرية. بالاضافة الى ذلك، لايستطيع البرادعي ان يعتمد على دعم البرلمان، المسؤول عن انتخاب رئيس الجمهورية (والذي يصادق عليه فيما بعد بالاستفتاء). والبرلمان الذي يهيمن الحزب الوطني الديمقراطي على 90% من مقاعده لا يمكن ان يمثل حصنا مؤسساتيا للدفاع عن ثورة الشعب.

وهنا نلمس نقطة مؤلمة تجعل الحالة المصرية مختلفة عن التونسية. هل سيكون على الاحتجاجات في مصر أن تمرر عبر إطار مؤسساتي يدعمه ويضمنه الدستور الذي يضع القواعد الدقيقة، ليس فقط لانتخاب الهيئات الحاكمة، بل وأيضا لضمان أن يكون للرئيس المعين سيطرة عليا على مقاليد السلطة ؟ بدون شك، هذا ما سيحاول أن يفعله مؤيدوا النظام نظرا لأنهم يبدون اليوم أكثر تنظيما وثقة من نظرائهم في تونس. أعتقد أن بالامكان قول ذلك لأن الجيش، الذي طالما امسك بالتوازن الحقيقي للحياة السياسية المصرية، تحدث لصالح الاستقرار والسيطرة او حتى قمع الاتجاهات الأكثر تطرفا في الاحتجاجات. وعلى أي حال، هذا قرار سيكون على الشعب أن يتخذه إذا كان يريد أن يحافظ على فاعلية الثورة. ولأنني لا أؤمن بتلقائية الحركات الشعبية وبقدرتها على تحقيق أهداف واضحة ومحددة تقوم على أساس الحكم الذاتي والاتجاه الذاتي، أعتقد اننا نستشعر ذلك الآن (ويكفي أن نفكر بخطر أن تتحول المواجهة الى حرب أهلية أو أن مجموعات استفزازية سوف تستثمر الوضع لادخال البلد في فوضى داخلية خطيرة)، وهناك افتقار لهيئة تنفيذية للثورة، وبشكل خاص حزب يمكنه ان يمثل قوة مهمينة قادرة على تفسير الثورة بمفاهيم مؤسساتية.

إن سرعة وعمق انتشار الثورة يدينان بالكثير للتكنولوجيات ووسائل الاتصال الحديثة، والانترنيت والشبكات الاجتماعية، من الفيسبوك الى التويتر. ما حصل يعلمنا الى حد كبير كيف يجب ادارة المظاهرات السياسية الراهنة والمستقبلية. ليس مصادفة ان الحكومة المصرية، وبعد انتشار الثورة، استجابت بسرعة عبر اسكات الحواسيب الالكترونية والشبكات ومحطات التلفزيون الفضائية والاتصالات التلفونية.