كانت رواية “المجوس” فاتحة خير إذ رحت أبحث بشغف كبير عن أعمال أخرى لإبراهيم الكوني، فقرأت ما وقع في يدي من نصوص مثل “التبر” ونزيف الحجر” وغيرها وترسّخ لديّ الاعتقاد بأن هذا الكاتب هو أكبر روائي عربي على قيد الحياة.
أعتقد أن خصوصية الكوني الأساسية تكمن في تصوره للرواية على أنها ورشة نجارة، فالنجّار لا يمكن أن ينجز خزانة أو طاولة من العدم، فهو يحتاج إلى ثلاثة مقومات أساسية هي المادة الأولية أي الحطب، وأدوات وآلات خاصة للصنيع، والتحكّم في أصول الحرفة.
إن المنجز الروائي عند الكوني لا يتأسّس على الإلهام وانتظار سقوط تفاحة نيوتن، وإنما على بحث شاق يتداخل فيه الديني بالدنيوي والأنثروبولوجي بالسيولوجي والتاريخي بالفلسفي، وخير مسوّغ لهذا الطرح هو إقدام إبراهيم الكوني قبل ثلاث سنوات على نشر بحث تاريخي وأنثروبولوجي وفلسفي عنوانه “بيان في لغة اللاهوت” في أربع أجزاء، ومحور هذا العمل الضخم هو الصحراء أي الهاجس المركزي الذي يتحكّم في كل إبداعاته. أعتقد أن موسوعة الكوني دليل على امتلاكه لورشة غنية بالقراءات المختلفة والتفكيرات العميقة، وهذا ما يفسّر أيضا غزارة إنتاجه.
ركّز إبراهيم الكوني في رواياته المختلفة على موضوع رئيسي هو الصحراء واستطاع أن يخلق عالما قصصيا شاسعا كما أبرز عبر شخصياته عن قيم كونية في غاية الأهمية كالتوق إلى التعايش السلمي مع الطبيعة من جهة ومع الحيوانات من جهة.
ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن المنجز الأدبي عند الكوني لا يقل عمقا وأصالة عن الأفكار المتداولة في العالم المتقدم حول ضرورة احترام الطبيعة والتوقف عن استعبادها.