أنبياء التغيير في العالم العربي
ابراهيم الكبلي 26 March 2011

ويمكن أن نقول، وبلا تحفظ، إن شتاء سنة 2011 كان الربيع الذي “عاد فيه العرب إلى التاريخ”. كان واحدة من تلك اللحظات المضيئة التي شكلت نقطة تحول في تاريخ الإنسانية. عندما أشعل محمد البوعزيزي النار في جسده للإحتجاج—بهذه الطريقة البالغة الرمزية والدلالة—على السلطات الاعتباطية لأذناب النظام في دولة ديكتاتورية، لم يكن يدرك وهو يقدم على فعله هذا أن نيران جسده ستمتد لتضيء العالم العربي بأسره بلهيب الثورة. هذه التضحية بالنفس على مذبح الحرية ما هي إلا تزكية للسوابق البطولية التي حدثت في التاريخ الإنساني حين يتحول الضعف إلى قوة، ويتحول العجز إلى محرك للثورة ضد الطغيان وسيادة الرعب. رغم الطريقة المحزنة التي انتهى بها البوعزيزي فإن تضحيته تحولت إلى مصدر إلهام لفئة جديدة من الأنبياء والنبيات حملوا لواء التغيير في العالم العربي. هؤلاء حولوا العجز من لحظة فشل –بسبب الخوف—إلى فرصة للتحرر من خوف الديكتاتورية ومن ديكتاتورية الخوف.

إن هذه التضحية بالنفس وما تلاها من تغييرات في العالم العربي—من طرد بنعلي وسقوط مبارك والثورة الدموية المسلحة في ليبيا مرورا باشتعال نيران الثورة في دول الخليج الغنية—تذكرنا بالنيران التي أشعلها الأنبياء الجدد في القيم المنحرفة لمجتماعاتهم. أوليس كنه النبوة تخليص الناس من نير العبودية والظلم المفروضة عليهم من قادتهم الفاسدين و تصحيح قيمهم المنحرفة؟ هذه الأخيرة التي شكلت على مر العصور الأساس الذي استمد منه الظلم واحتقار الإنسان شرعيتهما. إن قيم الديكتاتورية الممسوخة التي تم تجذيرها في العالم العربي وفق مخطط مدروس احتاجت إلى أنبياء جدد—ألهمهم البوعزيزي بتضحيته—لاقتلاعها وتخليص الإنسان العربي من وهم الخوف منها ومن شرعيتها المزيفة. لذلك وبسبب أثرها المزلزل والبعيد المدى أيضا ونظرا للدور البارز فيها للشباب، لا نجد ضيرا في القول بأن الثورات العربية الحالية تشبه في مغزاها ظهور ديانة جديدة مخلصة للناس ببث قيم جديدة حملها أنبياء جدد ترعرعوا في ظل الظلم وانتفضوا عليه. ولا شك أيضا أن الغرقالذي يتعرض له الزعماء العرب هذه الأيامشبيه بإغراق فرعون في البحر الأحمر بعدما طغى وبغى على قومه.

ففرعون شخصية رمزية في التاريخ العربي والإسلامي ومجرد ذكر اسمه يحيلنا إلى الغطرسة وتحدي الله و ظلم الناس. كما أنه يرمز إلى ميل الحاكم المطلق إلى إساءة استعمال القوة ضد الناس عندما ينتفي الرادع الأخلاقي الكابح لنزواته. سبب هذا الكلام هو كون الديكتاتوريات العربية تشترك مع فرعون في حكمه المطلق وغياب الوازع الأخلاقي الذي من شأنه أن يشكل ضابطا يلجم نزوات الحاكم. ففرعون،كما نعرف، غرق في البحر الأحمر عقابا له من الله في حين أن الفراعنة الجدد يغرقون في ساحات التحرير في كل مدينة وقرية ومدشر من العالم العربي. فباحتقارهم وازدرائهم البين لشعوبهم واستعدادهم الغريزي لإبادتهم وإخراس الرأي المخالف لرأيهم السديد و رعايتهم للظلم ينضوي الكثير من الحكام العرب في خانة الفرعون. لذلك يجب علينا شكر الأنبياء الجدد على رسالتهم الجديدة لتحرير الإنسان العربي من عبودية الزعيم وأسرته. إن الدين الجديد الذي يبشر به أنبياء التغيير المخلصين يقوم على احترام إرادة الانسان العربي وعزمه على بناء دولة تسود فيها العدالة الاجتماعية والسياسية في عالم عربي مبني على الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون واحترام الانسان كمدخل ضروري لوج عصر الحداثة. حداثة تكون بمتابثة المقدمة لبناء دولة حديثة يعامل فيها المواطنين على قدم المساواة.

إن أنبياء التغيير الجدد لم يدعوا يوما أن وحيا أنزل إليهم. إن وحيهم مستمد من آلام ومحن مواطنيهم. إنه خلاصة معاناتهم لسنوات طويلة من السياسات الكارثية التي طبقتها الديكتاتوريات ومواليها في جهد مدروس لإهانة شعوبهم. إن معاناتهم من الظلم والاحتقار في أوطانهم وعلى أيد مواطنيهم هي أكبر وحي نزل على الأنبياء الجدد وأيقظهم من سباتهم. ليس هناك وحي أقوى من العيش في ظل أنظمة زورت كل شيء وبنيت على شرعيات مزيفة لا دخل لإرادة للناس فيها. إن العالم العربي من المحيط إلى الخليج تحول إلى مزارع للديكتاتوريين وأسرهم حيث تم إقصاء المواطن وحرمانه من حقه في العيش الكريم والمشاركة السياسية. لذلك فهذا الشعور بالاهانة مضافا إلى اطلاع الشباب العربي على التجارب الانسانية العالمية هو ما فجر هذه الدعوة إلى التغيير. فأنبياء التغيير مجرد أناس تحركهم رغبة صادقة في بناء دولة تسود فيها ثقافة المواطنة والحاسبة بدلا من ثقافة الرعية و الولاء. إن تعاليمهم مكتوبة بدمائهم وبدوي انفجارات حناجرهم وبلهيب قلوبهم في كل حذب وصوب في ساحات التحرير المقدسة في الوطن العربي.

ومن ميزات الدعوة الجديدة، تبنيها اللاعنف خيارا في مواجهة الاستبداد. فتبني اللاعنف لتحقيق التغيير السياسي المنشود في العالم العربي كان كافيا لجعل المواطن الغربي يتعاطف مع الشعوب العربية ويهتف لانتصارها بل ويدعو لنصرتها ولنصرتة “التطلعات المشروعة للشباب العربي”. كلام لم نسمعه منذ زمن طويل لأن الشرق الاوسط والإنسان الشرق أوسطي عموما كان رديفا للإرهاب والعنف في المخيال الجمعي الغربي، ورب سائل يتساءل عن سبب هذا الإنتشاء الشعبي الغربي بانتصارات الشباب العربي. السبب ببساطة هو كون هذه النخبة العربية الجديدة تقرأ التاريخ وتفهم في وسائل الخطاب ما جعلها تستلهم سلاحا يمنحها التفوق الأخلاقي على الأنظمة القمعية: ألا وهو سلاح اللاعنف. عندما يتقارع العنف واللاعنف فإن اليد العليا تكون دائما للاعنف. اللاعنف سلاح الضعفاء والسلاح الذي أتبث فعاليته لكسر التفوق الأخلاقي لأي عدو. عندما لجأ الشباب في تونس ومصر واليمن وغيرها من البلاد العربية الأخرى إلى اللاعنف لتحقيق مطالبهم فإنهم نسفوا مسبقا مقومات النظام البوليسي من الناحية الأخلاقية و استطاعوا أن يتبنوا وسيلة كفيلة بتعرية ازدواجية المعايير التي قد يتبناها الغرب في تعريفه لحقوق الانسان والديمقراطية. فبتبنيهم للاعنف كخيار للتغيير غزا الشباب العربي قلوب الشعوب الغربية وحصلوا على تعاطف غير مسبوق بين فئات لم يكن تقبلها للانسان العربي سهلا ناهيك عن التعاطف معه. إن تبني خطاب كوني يفهمه الجميع بغض النظر عن الثقافات والاوطان واللغات لم يحقق التعاطف مع الثورات العربية فقط بل غير صورة الانسان العربي والمسلم عموما في التصور الغربي بتكسير تلك الصور النمطية السلبية الموروثة التي كانت وليدة لحظات تاريخية بائدة ولكن رواسبها مازالت توظف لتحليل الانسان الشرقي ومؤسساته. هذه النجاحات لم تكن لتتم لولا فهم الشباب لكون تسويق القضية أهم في بعض الأحيان من القضية نفسها. فلأول مرة في التاريخ العربي تنجح قضية عربية في اكتساب هذا الزخم لان المحامي—الشعب—وظف أجمل الوسائل في التعبير عن طموحاته.

إن الأنبياء الجدد ليست عندهم معيقا ت في التواصل ولايعرفون الحدود. إنهم يمتلكون الانسيابية الضرورية ليمثلوا اصالة مجتمعاتهم في نفس الوقت الذي يعبرون فيه عن تطلعاتهم إلى بناء دولة حديثة مبنية على قيم المواطنة. لقد أثبتوا أنهم يمكن ان يكونوا عربا ومسلمين وفي نفس الوقت ديمقراطيين. يتبثون كل يوم أن صمويل هانتنغتون وفرانسيس فوكوياما كانا على خطأ عنما تنبؤوا بكون الصدام هو قدر الحضارات. فالعرب والمسلمون لايضمرون أي عداء وراثي للتقاليد الغربية ولا للقيم الانسانية المشتركة. فهم من كان القاطرة التي نقلت الفكر الإغريقي إلى أوروبا في زمن الظلمات وهم الآن من يعطون زخما للديمقراطية ويعيدون صياغتها بمظاهراتهم في العالم العربي. فالرسالة القادمة من ميادين التحرير مفعمة بكل قيم الانسانية المشتركة لذلك فهي تستجيب لتطلعات كل شعوب الارض للحرية. فمن منا لم يخفق قلبه وهو يرى الآلاف المؤلفة من الشابات والشباب يلوحون بأجمل الاعلام ويدعون إلى حرية التعبير وإنهاء التعذيب ومأسسة ثقافة المساءلة؟ إن أناشيد الحرية تتناغم كلماتها مع نبضات قلب كل إنسان يحمل هم الحرية وتتناغم مع أحلام الشعوب المقهورة بالحرية والديمقراطية و تضيف نفسا احتفاليا لهذه الرسالة. أضف إلى ذلك أن الخيال الشرقي الخصب—بالمعنى الايجابي—اقتنص هذه الفرصة التاريخية ليمرر للعالم رسالة مهمة ألا وهي أنه كان بالامكان تلافي موت الكثير من الناس في الشرق الاوسط لو أتيحت للناس فرصة تغيير أنظمتهم دون تدخل خارجي. فالتدخل الخارجي يجلب الدمار ويبذر بذور الفتنة بين أبناء الشعب الواحد كما أنه يطيل أمد النزاعات.

إن الفصلين التونسي والمصري لم يكونا عنيفين بشكل مفرط—رغم سقوط مئات القتلى—مقارنة مع الفصول اليمنية والليبية والبحرانية المتميزة بدمويتها بدرجات متفاوتة. يمكن توقع فصولا دموية أكثر في الفصلين السوري والسعودي من الثورات العربية أيضا. فالرهانات تختلف من بلد إلى بلد أخر ولكن عندما تدخل الاهداف الاسترتيجية للدول الغربية كعامل من عوامل معادلة الديمقراطية وحقوق الانسان فإنه من اللازم علينا أن نتوقع إراقة الدماء. فالدماء هي وقود الثورة ولقد رأينا كيف أريقت في تونس ومصر وتراق في ليبيا وسنراها تراق في أماكن أخرى حتى سقوط آخر قلاع الديكتاتورية في العالم العربي. لكن المهم هو أن أنبياء التغيير لن تعوزهم الوسائل لتغيير الانظمة الديكتاتورية حتى لو كان صدى المدافع وأزيز الطائرات يحجب أناشيد الحرية. مهما يطل الصخب فإنه سيتوقف عندما تتبدد غبار المعركة وستستمر الثورة السلمية. النبوءة ستستمر والأنبياء سيكثرون، ورسل التغيير يفهمون أن المحن جزء من تاريخ الرسالة.

خشيتنا هو ان التدخل الاجنبي قد يجلب النحس لاحلام الشعوب العربية في غد عربي افضل يصنعه العرب بوسائلهم وبكفاحهم ويصيغونه على هواهم وحسب مصالحهم. عالم عربي يتخلص من إرث الإنسان للإنسان والأرض، عالم يسود فيه العدل والمساواة. لايمكننا ان نمسح بجرة قلم رواسب التجارب المؤلمة للتدخلات الأجنبية في العالم العربي سواء في الماضي البعيد أو القريب إلا أننا نتمنى أن تكون هذه الثورات فرصة للغرب للتكفير عن تعاونه الضار مع الأنظمة الديكتاتورية طيلة الخمسين سنة الأخيرة ضد مصالح الشعوب العربية. نتمنى أن يكون الضمير الإنساني قد استيقظ فعلا وأن تدخله في ليبيا ليس إلا مقدمة لمساعدة الشعوب على التحرر والانعتاق من براتين الديكتاتورية أينما وجدت.