السياسة الخارجية الأمريكية إذا فاز أوباما بالانتخابات الرئاسية
بقلم ميكائيل والزر* 22 July 2008

ـ هذا النص هو مداخلة قدمها الكاتب خلال الأيام الدراسية في اسطنبول التي نظمتها ريسيت للحوار بين الحضارات في اسطنبول من الثاني إلى السادس من يونيو 2008.

دعونا نفترض فوزا ديمقراطيا في شهر نوفمبر، بعيدا عن كل محاباة، بما أننا اخترنا مرشحا يتوفر على قوة إعجاب لدى ما يمكن وصفه بأنه أقلية من المواطنين. ولكن الحزب الديمقراطي، مهما يكن مرشحه، يمكن أن تكون لديه هذه المرة جاذبية قوية بما فيه الكفاية للفوز بمساندة الأغلبية باعتبار الركود الاقتصادي والحرب. إذن أوباما سيدخل البيض الأبيض ثم ما سيحدث؟ "الدولية الليبرالية" هو الاسم الذي اختاره (بعض) مستشاريه ومثقفون لطفاء عديدون لما يتمنون أن يصبح سياسته الخارجية. إذن ماذا تعنيه "الدولية الليبرالية"؟
هذه لائحة لبعض الأشياء التي يمكن أن تعنيها رغم أن كل عنصر من عناصر اللائحة يأتي بعلامة استفهام كبرى. إن أوباما لا يدخل الانتخابات ببرنامج كامل، ومتجانس للسياسة الخارجية الأمريكية (أو للسياسة الداخلية الأمريكية). هذه لائحتي إذن:
1 ـ نهاية الأحادية البوشية: على الأقل في شكلها المتمثل في المواجهة غير المحدودة أن الدبلوماسيين الأمريكيين سيسافرون كثيرا وسيقومون بالكثير من المحادثات إذا فاز أوباما. أولا وقبل كل شيء في أوروبا مع حلفائنا الطبيعيين ولكن ليس هناك فقط. سيتم نبذ سياسة عدم التحدث مع الأعداء بشكل واضح. سوف نتحدث مع أي عدو مستعد للحديث معنا، أعني أية دولة عدوة، واضح أن إيران أي المرشحة الأولى. أما السياسة تجاه المنظمات الإرهابية فلن تتغير. هنا أقوم فقط بترديد ما قاله أوباما وأعاد قوله بقوة.
2 ـ موقف جديد من الانحباس الحراري وانفتاح على معاهدة كيوطو، ربما تحت إشراف آل غور (AL Gore) . أعتقد أن هذا شبه مؤكد.
3 ـ ربما بعض الإشارات بالرغبة في الانضمام إلى محكمة العدل الدولية ولكن مع تحفظات من أجل حماية الأمريكيين من ما يسمى المتابعات "السياسية". لا أعتقد أن أوباما (Obama) سيتحدى البنتاغون في سبيل عضوية محكمة العدل الدولية. يجب علينا أن نتذكر أن كلينتون (Clinton) بدوره كان سينظم لولا معارضة المؤسسة العسكرية. لقد حاول فريق كلينتون كان في عز أزمة الإقالة ولم يكن يتوفر على أي رأسمال سياسي يصرفه على هذه القضية.
4 ـ مقاربة مختلفة لمنظمة التجارة العالمية ولقضايا التجارة بصفة عامة: رغم كون درجة الاختلاف غير واضحة بشكل جذري. سيكون هناك ربما اهتمام جديد بالاتفاقيات التي تتضمن بنودا حول حقوق العمال، حماية البيئة، الخ. ولكن الاقتصاديين ومستشاري أوباما (Obama) ليسوا بذلك البعد عن التجارة الحرة ذات النزعة الليبرالية الجديدة، تفاهم واشنطن. الاقتصاديون اليساريون سيبقون نقادا من الخارج رغم أنهم قد يلقون آدانا صاغية في واشنطن لم يلقوها في السنوات الثمانية أو حتى الستة عشر الأخيرة.
5 ـ التزام أقوى (أقوى من حيث الخطابة أو من حيث التطبيق؟) بـ "مسؤولية الحماية" في مناطق كدارفور أو ميانمار، رغم أن الإدارة الجديدة لن ترسل أية قوات إلى أية بلدان لم تتواجد فيها إلى الآن. إذن من الذي يمكن أن يكون مستعدا لإرسال القوات؟ إذا كان أي أحد مستعدا فإن الولايات المتحدة تحت رئاسة أوباما ستكون ربما مستعدة للمساعدة على أداء وتجهيز ونقل القوات.
6 ـ اعتراف واضح بأن "الحرب" على الإرهاب عمل أمني وسياسي في المقام الأول وانه يتطلب تعاونا بين الكثير من الدول وانه يمكن ويجب أن يتم القيام به ضمن الضوابط الدستورية سيكون هناك وزير عدل ليبرالي وستكون هناك طريقة جديدة في التعامل مع الدستور ومع الكفاح ضد الإرهاب في الإدارة الجديدة. أتوقع إغلاق غوانتنامو، إلغاء مذكرات التعذيب وإنهاء تسليم المعتفلين وتحويل محاكمات بعض المتهمين بالإرهاب من محاكم عسكرية إلى محاكم مدنية. ولكن الإدارة الجديدة لن تتخلى عن النشاط السري، عن الحرب في الظلام، الحرب الطويلة آمل في التزام إيديولوجي أكثر انسجاما وتدقيقا في الحرب المستمرة ( الجارية ) على المنظمات الإرهابية طريقة لرسم الخطوط لتصبح أكثر براعة وأكثر ذكاء من خطاب بوش أبيض ـ اسود ـ شرير ـ نحن ـ هم .لكن لا أعول على ذلك .
7 ـ انسحاب من العراق كما هو موجود ؟ هنا علامة الاستفهام اكبر من اية من الحالات الأخرى. هل سيكون هناك انسحاب من العراق كما هو موعود ؟ إن التزام المرشحين كليهما ( التزام هيلاري وبشكل أكثر وضوحا التزام أوباما ) والتزام القيادة الديمقراطية في الكونغرس بالانسحاب واضح ومعبر عنها بقوة لدرجة تجعل من الصعب تصور كيف يمكن أن يتراجعوا ورغم ذلك أعتقد أنهم سيتراجعون. أجد من الصعوبة تصور انسحاب الولايات المتحدة على أجندة اوباما. إخراج الجميع حالا في ظرف 16 شهرا. هل يشمل أوباما كل المتعاقدين الخواص وكل الناس الذين عملوا معنا والذين يمكن أن يتعرضوا للخطر إذا انسحبنا؟ هذا يضاعف مرتين أو ثلاثة العدد. حتى من الناحية اللوجستيكية لن يمكن القيام به في 16 شهرا ومتأكد تقريبا انه لن يتم القيام به. انه سيتم الإعلان بكل تأكيد سياسة رسمية لفك الارتباط ولكنه في الواقع سيكون فك الارتباط بطيئا جدا مع الكثير من التوقفات المصحوبة بمفاوضات مع إيران وسوريا تهدف إلى توفير التغطية إلى انسحاب محتمل ولكن هل ستتعاون إيران وسوريا؟ بشكل جوهري، هل ستتعاون إيران؟ هل يريد الإيرانيون أن ننسحب بطريقة مشرفة مع ما ينظر إليه الضباط الأمريكيون بأنه انسحاب دون أن يمس شرفهم؟ لا، ربما على أي حال على المدى القريب سيجد أوباما أن الأكراد لا يريدون أن ننسحب، الحكومة الشعبية لا تريدنا أن ننسحب، الكويتيون والسعوديون والمصريون والإسرائيليون والأتراك لا يريدون أن ننسحب، على الأقل أن ننسحب حسب مخطط أوباما .فالحيلة إذن هي أن ننسحب ولكن دون أن ننسحب في نفس الوقت. لا شيء كان جميلا حول العراق ولا شيء سيكون جميلا في المستقبل المنظور.
8 ـ لكن سحب القوات من العراق سيكون ضروريا لان الديمقراطيين ملتزمون حقيقة بمجهود أكثر قوة في أفغانستان; الشيء الذي يعني إرسال مزيدا من القوات هناك. مزيدا من القوات الأمريكية ومزيدا من القوات الأوربية كذلك ستذهب إلى هناك. أو هكذا يأمل الديمقراطيون وهذا قد يكون المكان لقول بأنه لا سياسة أمريكية خارجية جديدة ستنجح أو ستكون مستديمة بدون أن تجد الإدارة شركاء أوروبيين مستعدين ـ مع الولايات المتحدة ـ لتحمل درجة معينة من المسؤولية حول طريقة تسيير العالم. إن التعددية القطبية الأمريكية ـ أفغانستان مثال فقط ـ ستتطلب الكثير من العمل من الجهات الأخرى، ربما عملا أكثر بكثير من الذي يعتقده حاليا حلفاؤنا الأوربيون .
9 ـ مبادرة دبلوماسية في إسرائيل / فلسطين وكذلك في النزاع العربي الاسرائيلي الأوسع. افترض إن المفاوضات الحالية بما فيها المحادثات الجديدة بين إسرائيل وسوريا ستستمر ولا شيء سيحسم بحلول يناير 2009. فالإدارة الديمقراطية ستكون أكثر التزاما "بالمسلسل". لقد وعد أوباما وهو يتحدث إلى لجنة العلاقات العامة الأمريكية الاسرائيلة بأنهم سيلتزمون منذ اليوم الأول ولكني اشك بأنهم سيلتزمون بطرق مختلفة بشك كبير. بشكل جوهري إن أوباما لن يقوم بإجبار إسرائيل أو محاولة إجبارها على الانسحاب من الضفة الغربية إلا إذا اتضح أن الصواريخ لن تطق في اتجاه تل أبيب انطلاقا من الضفة الغربية "المحررة"، وانه من الصعب جدا رؤية كيف يمكن تحقيق تقدم في هذه الجبهة مع سلطة فلسطينية ضعيفة بشكل مخيف تقابلها حكومة إسرائيلية ضعيفة مع القوة المتنامية للمتشددين الإسلاميين في غزة، في فلسطين عموما في لبنان.
أتوقع الكثير من الهرولة بدون تقدم كبير. ولكن هذا هو الذي يمكن ان يتضمن بعض المفاجآت الحقيقية. إحدى هذه المفاجآت وصفها توماس فريد مان (Thomas Frédman) في نيويورك تايمز. الحديث عن تجديد الخيار الأردني، نوع من الوصاية الأردنية على الضفة الغربية يمكن إسرائيل من الانسحاب بضمانات عليا موثوق بها.
فالولايات المتحدة ستبدو إذن أحسن بكثير إذا أصبح أوباما رئيسا، وإذا كانت هناك أغلبية ديمقراطية في الكونغرس. ولكن أمريكا لديها قوة أقل وسلطة منخفضة اليوم مقارنة مع سنوات كلينتون. والعالم أصبح الآن أكثر تمردا مما كان عليه آنذاك. سياسة خارجية أمريكية جديدة كما وصفتها الآن يمكن ألا تحدث أي فرق ولن تحدث فرقا كبيرا إلا إذا تمت مرافقتها/مساندتها بسياسات مختلفة في مناطق أخرى من العالم.

* ميكائيل والزر (Michael Walzer) من كبار الفلاسفة السياسيين والمثقفين العموميين الأمريكيين. أستاذ فخريّ في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون في نيوجيرزي.