نظرية ما بعد الاستعمار ومخلفاتها الفكرية في عصر ما بعد الحداثة وما بعد العلمانية
محمد حصحاص، باحث مغربي مقيم بروما. 2 February 2011

لم تكن الطريق سهلة. بعد الحروب التي يمكن تسميتها بالحروب الداخلية أو الاهلية رغم انفتاحها على جغرافيات وبلدان تختلف ثقافيا على اوروبا، ستجد بلدان مهد الانوار نفسها مجددا في صراع ايديولوجي مع التيار الشرقي خلال الحرب الباردة، وبعده الى مناورات لا نريد ان نسميها حربا مع الاسلام والمسلمين بعد احداث 9/11 الارهابية. ان لعب الجيدو مع هذه الاحداث التاريخية والقفز على أسبابها وتراتبيتها يهدف الى مراجعة فكرية وسياسية يشهدها الفكر الغربي والعالمي بشكل واسع، ليس فقط لان الغرب ما يزال يشكل ذاته بحسب تمدد أو تراجع فكره وسيطرته بل لان هناك مدارس فكرية ما تزال تتشكل من هذا الفكر ذاته أو تتشكل خارجه، أي ان هناك مدارس فكرية وفلسفية خارج نطاق هذا الغرب فكريا وجغرفيا، وأمثلة ذلك الفكر الاسلامي والفكر الهندي، أما الفكر الصيني فلا يبدو انه وجد له مكانا واسعا بعد في الساحة الاكاديمية الغربية والعالمية رغم أن الاهتمام بهذا البلد اقتصاديا ما يزال يستقطب الانظار يوما بعد يوم. لنعد خطوة الى الوراء.

بدت اوربا هادئة فكريا في خمسينيات القرن الماضي، ربما لان اهتمامها كان منصبا على بناء ما أتت عليه الحربين العالميتتن، فكان الاهتمام بالاقتصاد أكثر منه بالفكر على ما يبدو، لكن العقد الموالي سيشهد فورة سياسية دفعتها الحركة الطلابية الشبابية التي تزعمت أحداث ماي 1968 وما تبعها من حركات نسائية تدعوا للمساواة ولليبرالية أكثر راديكالية وانفتاحا، ولم تكن تلك المرحلة لتبقى مؤثرة لولا حضور مفكريين أمثال جاك دريدا وميشيل فوكو ورولان بارث ودولوز وغيرهم. خرجت المدرسة التفكيكية والبنيوية وما بعد البنيوية لاعادة النظر في تركيبة الفكر الغربي وكتاباته ونصوصه، والعلاقة بين النص والكاتب المفكر والسلطة ومدى تأثيرها على المجتمع وأسسه واخلاقياته. في هذا السياق كان العالم الثالث ما يزال اما يقاتل من اجل استقلاله أو كان قد دخل مرحلة الاعمار والبناء الداخلي بعد الاستعمار، ما عدا فلسطين التي كانت وما تزال تعيش عبث المحتل وتكابد مخلفات ما أنتجته أوربا داخلها وصدرته خارجا – معاناة اليهود على يد النازية، ومحاولة تضميد جراحهم بجراح الفلسطيينيين. في نفس السياق سيطلع علينا اسم ادوارد سعيد بمؤلفه الاستشراق سنة 1978 والذي فتح من جديد باب الاجتهاد في تفكيك الفكر الغربي وانساقه الايديولوجية التي يرى انها مبنية على استقواء الذات باضعاف الاخر، وسلب انسانيته، وتشكيله داخليا لكي لا يرى نفسه الا ذاتا ضعيفة في وجه الغرب المتحضر والقوي. ان المعرفة التي يتقنها الغرب مكنته من فهم ذاته وفهم الاخر وبناء الفيصل بينهما.

يبدو أن الخطاب الديني الاسلامي كان دائما ندا قويا للغرب، لكن المعرفة الفلسفية المتعمقة والمعرفة التكنولوجية والعلوم الاجتماعية اعطت للغرب سبل اضعاف هذا الخطاب، فكان ان شهد العالم العربي مثلا حضورا قويا للعلمانيين والماركسيين والليبراليين طيلة السنوات التي تلت الاستقلال والى الآن بشكل أو بآخر. لكن يمكن اعتبار الخطاب الديني هو اكبر خطاب واجه مرحلة ما بعد الاستعمار، رغم أنه كان خطابا ضعيفا في بداياته وبدأ يرجع بقوة منذ اواخر سبعينيات القرن الماضي وبعد الاحداث الارهابية على الولايات المتحدة الامريكية. هذا الخطاب الديني أصبح الآن له مكانا واسعا في الساحة الاكاديمية وسنرى بعد حين لماذا وكيف.

قلنا أن كتاب ادوارد سعيد فتح بابا لم يغلق بعد في الساحة الفكرية، بل على العكس ما يزال الكتاب وتداعياته تأخذ مجرياتها وتشكلات لا نعرف مستقرها بعد. اذا كان سعيد قد أسس لعلم أو نظرية ما بعد الاستعمار، أو نظرية ما بعد الكولونيالية Postcolonial Theory، انطلاقا من الدراسات الادبية والثقافية التي ساهم فيها الادب الافريقي بمكتبة غنية، فان الدراسات الفلسفية من النظرة ما بعد الكولونيالية طغى عليها مفكرون من الهند، واغلبهم مستقريين في الغرب، والذي من جامعاته كذلك ظهر علماء اجتماع يرون في النظرية نقطة تحول في الفكر الغربي وربما في الفكر العالمي بشكل أوسع. أهم ما يشاطره مفكروا النظرية هو نقدهم لعالمية الفكر الغربي وتسلطه وتاريخه الاستعماري الدموي، ومحوه او محاولة محوه لمعالم الثقافات التي استعمرها. انه فكر يستصغر غيره، يبعده، يبيده، ينبذه، ولا يريده، لدرجة أن الديموقراطية الليبرالية الغربية أصبحت محط نقد كبير، رغم ان فرانسيس فوكوياما قد كتب منذ عشرين عاما مضت انها النموذج النهائي، الوحيد والاوحد في التاريخ الآن.

بمعنى اخر، لم تعد مدرسة الخطاب ما بعد الاستعمار تنظر فقط الى حال دول كانت مستعمرة بحد ذاتها، بل أصبحت مدرسة فلسفية تدفع الفكر الانساني الى البحث عن سبل جديدة للخروج من مأزق الفكر الغربي الحاضر. ان هذه النظرية لا تنكر أفضال الفكر الغربي وايجابياته، لكنها تنتقد فيه غياب التعددية ليصبح عالميا، عوض العالمية التي يدعيها الان ويحاول تصديرها بطرق حقوق الانسان وحقوق المرأة والمجتمع المدني وغيره من الشعارات.

رغم ان خطاب نظرية ما بعد الاستعمار قد تبدو ضعيفة لان ليس لها من يسوق افكارها مقارنة بالرأسمالية والليبرالية التي لها اسواقها ونفوذها عبر العالم، الا انه خطاب حاضر بطريقة مباشرة او غير مباشرة في بلدان وثقافات العالم الثالث على الخصوص،و أخص بالذكر العالم الاسلامي وشبه القارة الهندية والصين – القوى الصاعدة.

ان النظرية مبحث كلامنا لا ترمي الى الهدم بقدر ما ترمي الى التفكيك بمعناه الفلسفي النقدي، مبنية فكرها على استقراء التاريخ واعادة قرائته وتصحيحه، وطرح تساؤلات جديدة حول الديمقراطية، وحقوق الانسان، والثقافة، والتعدد، والمعرفة، والسلطة، والسياسة، والدولة، والحرية، والمساواة، والحداثة وغيرها من لبنات المصطلحات والمفاهيم، والهدف هو اضعاف تركيز السلطة والغنى في يد دولة او دول قليلة لها تاريخ الامبراطوريات والامبريالية.

قد يرى البعض ان الاسم –نظرية ما بعد الاستعمار- يعني أن هذه المدرسة الفكرية قد ولى عهدها واهميتها بعد زمن الاستعمار، لكن الحالة التي يعيشها العالم الى الان كلها استعمار مباشر او غير مباشر. ان خطاب العولمة ما هو الا دليل على أن الضعيف سيبقى ضعيفا وتابعا للشركات العالمية والقوى الكبرى، مما يعني ان مشاكل العالم الثالث بالخصوص ما تزال باقية، بدون حلول، مما يستوجب طرح الاسئلة العميقة والعتيقة من جديد، ومن قبيل ذلك العدالة والحرية والديموقراطية: ما سبل العدالة في العالم؟ هل نموذج الديموقراطية والليبرالية والرأسمالية الغربية هي النموذج الوحيد الممكن ام ان هناك نماذج أخرى يكمن لثقافات العالم ان تساهم فيها؟…

هل نحن في عصر ما بعد الحداثة؟ يجيب الحداثيون بلا. ويجيب منظروا نظرية ما بعد الاستعمار بنعم. يرى الحداثيون (الغربيون) أن ما يسمى بما بعد الحداثة ما هو الا وجه اخر للحداثة، فلا حرية الا الحرية التي أنتجها الغرب، ولا ديموقراطية الا الديموقراطية التي انتجها الغرب ولا علمانية الا العلمانية التي أنتجها الغرب…أما الفلاسفة والمنظرون الجدد فهم يرون ان نظرية ما بعد الاستعمار هي من أسست لفكرة ما بعد الحداثة، لانها -أي نظرية ما بعد الاستعمار – هي التي تتجرأ الآن وتطرح الاسئلة الفلسفية الكبرى وتحاول تفكيك الايديولوجيات الطاغية الآن، لذلك فانها من نظرت و ما تزال لمجتمع ما بعد حداثي، مجتمع وعالم ربما مختلف عن المجتمع الحداثي الحالي الذي نظر له وبناه الغرب. هل هذا يعني ان المجتمعات التي لم تدخل عالم الحداثة بعد قد تقفز الى ما بعد الحداثة دون المرور على مرحلة الحداثة؟ هل العالم الان كله حداثي لانه يعيش على النمط الغربي بشكل او باخر؟هل المجتمعات الحداثية هي السباقة لعالم ما بعد الحداثة؟ ألا يعني هذا أن ما بعد الحداثة تعيد بناء التمايزات التي تتخبط فيها الحداثة؟…هذه بعض أسئلة ما يزال يطرحها الباحثون عن البديل الممكن…وهي أسئلة فلسفية مشروعة وصعبة.

لنعد، وبه نختم هذه التساؤلات، الى مثال العلمانية والاقليات الاسلامية في الغرب او العالم الاسلامي بشكل عام. الى الآن لم يستسغ المسلمون اجمالا معنى العلمانية – ولا حتى عرابوها الكبار! يمكن ان تكون العلمانية في المجتمعات الغربية قد أجابت على تساؤلات ساكنيها ومفكريها عندما فصلوا حياتهم السياسية وحتى الاجتماعية العقدية عن الدين في وقت من الزمن، لكن ذلك لم يدم لان الهجرة من بلاد الاسلام أعادت الى أذهانهم خوفهم من الدين، وخاصة اذا كان دينا اجنبيا لا تتماشى احكامه مع بنود الديمقراطية والمساواة ومبادئ الليبرالية. ان الديمقراطية الليبرالية التي يصدرها الغرب للعالم كالنموذج النهائي للحكامة الجيدة ومثال نهاية التاريخ لم تعد تصلح – كما نرى- حتى لذاتها: أين عالميتها مما يعيشه المسلمون وباقي الاقليات في أوروبا مثلا؟ كيف يمكن تسويق فكرة نهاية التاريخ بنموذج الديموقراطية الييبرالية وهي ذاتها لم تحل مشاكلها مع أقلياتها؟ ان تصدير نموذج كهذا يعني تصدير مشكل الى باقي العالم، وهو ما حدث فعلا. فلنأخذ مثال البلاد الاسلامية: منذ ان بدأ العالم الاسلامي يفكر سياسيا كالفكر الغربي لم يخرج عن مربع تساؤلاته. هل نسير علمانيين ام لييبراليين ام …علمانيين لييبراليين، أم اسلاميين لييبراليين، ام اسلاميين ديموقراطيين، ام مواطنين في بلد اسلامي، أم…في زمن الدولة القومية وتكوين الهوية كان على الغرب أن يحدد هويته بتلك الاسئلة، وبعد الاستعمار، عند تكون الاقطار العربية الاسلامية المختلفة تم طرح نفس الاسئلة، بنفس الطريقة، بدون اجتهاد، والحل الان هو وجود أنظمة واحزاب تعالج نفس المخلفات بنفس الاسئلة، لان النموذج هو ذاته، النموذج الغربي، وأي تقدم ممكن هو بارتداء النموذج الغربي! فأي نجاح ممكن اذا كان الرداء -الخارج- لا يناسب الداخل؟ هل الانسان الغربي هو نفسه الانسان العربي المسلم. اجمالا، لا. لكل أمة أسئلتها، وأسئلة غيرنا غير أسئلتنا، وأجوبتهم غير أجوبتنا، والالتقاء بينهما ممكن، والذوبان مهلك.

فهل من بديل لما بعد العلمانية؟ ربما. اذا ما سُمح بعودة التعدد خارج خانات مرسومة مسبقا بايديولوجيا معينة غريبة عن انساق فكر العامة التي يراد حكمها فان ايجاد بديل أو بدائل الحكامة الجيدة في زمن ما بعد العلمانية (بعد زمن العلمانية المتشددة لان التشدد لا يولد الا التشدد) امر ممكن، وصعب في نفس الان. لا يشخص هذا المقال حالة تونس الان بعينها –ندرس حالة تونس في مقال اخر- لكنه يطرح نفس الاسئلة الكبرى التي يتصارع معها الشعب والمنظر والمفكر التونسي. انها نفسها أسئلة المصري والجزائري والليبي والسوري واليمني وغيرهم…

ان اهم الصعوبات التي تلاقيها محاولات اعادة طرح الاسئلة الكبرى –كما تحاول ذلك نظرية ما بعد الاستعمار مثلا- تنبع من العوام ذاتهم الذين تحاول النظرية الدفاع عنهم وحمايتهم. ان العوام ترى في النموذج العالمي الحالي نموذجا يحتذى وترمي الى محاكاته للتقدم رغم أنها تعاني منه اللاعدل واللامساواة. فكيف تقنع العامة بالصواب؟؟ أما الصعوبة الثانية فهي أن النظام الحالي لن يترك التغيير يجري على حسب هوى المغيرين والمفكرين المتسائلين!

ويبقى السؤال ذا شطرين:هل من بديل؟ وهل نحتاج الى بديل أصلا؟