الأحكام المسبقة
آناماريا ريفيرا 23 June 2010

بتعبير آخر الحكم المسبق هو رأي أو شعور أو موقف يتشكل ويتم التعبير عنه من خلال المعرفة المباشرة للجماعة أو الفرد، ولكنها معرفة قائمة على السطحية والابتذال وعلى قوالب جامدة يتم مشاطرتها ضمن نطاق معين. ولذلك فان أحد سمات الحكم المسبق هو مقاومته العنيدة للاختبار التجريبي والمعرفي والتعامل المباشر مع موضوعه. هو يميل إلى بلورة تصورات ثابتة تغدو معايير معتادة ومشتركة اجتماعيا في إدراك وتصوير فئات اجتماعية أو أقليات معينة، وبالتالي فان الأحكام المسبقة يمكن أن تزيد أو تبرر التمييز والعنصرية.

لقد اهتم الباحثون بهذا البعد السلبي للأحكام المسبقة لسيما من خلال انعكاسها على طريقة التعامل مع الأقليات، مما أدى إلى ظهور العديد من النظريات التفسيرية المفيدة في فهم هذه الظاهرة ومسبباتها المعقدة. ومنذ الخمسينات تضاعفت هذه الدراسات لسيما تحت تأثير كتاب ثيودور أدورنو ( الشخصية السلطوية) المنشور عام 1950. كان هذا الكتاب نتيجة لبحث جماعي تناول الحكم المسبق وما يؤدي إليه من تحامل لدى الشخصية الفردية، معللا إياها في كونها نتاج لنظام تعليمي صارم وسلطوي.

أما كتاب الأمريكي جوردن البورت (طبيعة الحكم المسبق) المنشور عام 1954 فقد تناول الموضوع من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي ونجح في الربط بين تحليل العمليات الذهنية وبين تحليل الأبعاد الاجتماعية لظهور التحامل المقترن بالأحكام المسبقة. يرى البورت أن الحكم المسبق هو “موقف رافض أو عدائي تجاه أي شخص ينتمي إلى مجموعة، بسبب انتمائه إلى تلك المجموعة فقط، وفق الافتراض أنه يمتلك ذات الخصائص السلبية التي تنسب عادة الى تلك المجموعة”. يظهر التحامل المستند على الحكم المسبق من خلال العمليات الذهنية وبشكل خاص من خلال ميل كل فرد نحو تصنيف الآخرين وتبسيط الواقع الاجتماعي المعقد ووضعه في إطار مقولبات جاهزة. ولأن تصنيف الناس هو بحد ذاته عملية اختزالية ومقترنة بالميل الى التقييم، فإنها تؤدي بالضرورة إلى إنتاج تصورات جاهزة وتعميمات اعتباطية.

وفي مجال علم النفس الاجتماعي مرة أخرى، هنالك مساهمة أخرى مهمة قدمها هنري تاجفيل تعاملت مع الوظيفة الاجتماعية للحكم المسبق وتركز تحليلها بشكل صحيح في إطار العلاقات – المتعددة والمعقدة والمتحولة- بين المكونات الاجتماعية. اقترح تاجفيل دراسة العمليات التي تقود الى اتخاذ مواقف تمييزية تجاه الأفراد والجماعات التي تختلف عنا، مشددا على الكيفية التي يلعب فيها الحكم المسبق دورا في مجال الهوية، لسيما عندما يشعر البعض أن هويتهم تتعرض للاهتزاز أو التهديد فيميلون إلى الحفاظ عليها أو إعادة ابتكارها من خلال العمليات التصنيفية التي تؤكد ثنائية نحن / الآخرون، الصورة الإيجابية عن الـ”نحن”، والصورة السلبية عن “الآخر”. تصبح القوالب الجاهزة أو الأحكام المسبقة جزءا من بنية تقوم على التقليد الثقافي وعلى نظام القيم والمصالح، وعلى الحاجة للتمييز تجاه جماعة معينة ويمكنها أن تبرر المواقف التمييزية والعدائية.

القوالب الجاهزة أو الأحكام المسبقة تميل إلى تبسيط الواقع الاجتماعي والى إنكار ما يمتاز به هذا الواقع من تعقيد وتعددية وتناقض وتاريخانية. إنها تظهر غالبا في شكل تعميمات اعتباطية، وعملية تطبيع لخصائص تاريخية أو اجتماعية أو ثقافية حقيقية أو مفترضة. إنها تمثل اتجاها لتصنيف جماعة معينة على أساس سمات معيارية قليلة يتم حصر كل أفراد تلك الجماعة ضمنها: فمثلا إن جميع اليهود صهاينة متطرفون وجشعون ومرتبطون باللوبيات النافذة، وإن جميع المسلمين متعصبون وارهابيون محتملون، وإن جميع الغجر متسولون ولصوص وخاطفو أطفال، وإن جميع المهاجرين غير الشرعيين منحرفون أو جانحون. هنا لا يعود ممكنا ادراك “الاخرين” بوصفهم افراد مختلفين ومتمايزين عن بعضهم.

إن بعض الأحكام المسبقة التي تشكلت عبر مراحل متعددة من التاريخ الأوربي تصبح مواقف مرجعية كامنة دائما في تفكيرنا وتعود للظهور بشكل دوري أو تعاد تعبئتها في اطر مختلفة لتقود بوظائف مختلفة ولغايات متنوعة. فالأحكام المسبقة العنيدة تجاه الغجر في إيطاليا، حتى مع كونها شديدة التفاهة، تساهم في زيادة المواقف السلبية الجاهزة والتمييز والعدائية. مثلا العديد من المؤسسات الإيطالية تتعامل مع الغجر على أساس من النظرة المسبقة التي تعتبرهم “بدو” مرتحلين بشكل دائم والى الأبد مما يكرس عزلهم ضمن معسكرات خاصة.

إن الأحكام المسبقة اليوم أكثر من أي وقت مضى تنتقل وتشرعن وتصبح أكثر قوة عبر وسائل الإعلام. يتم إعادة إنتاجها ضمن حلقة مفرغة تناولها العديد من الباحثين بالتحليل. فإذا كانت الأقليات الخاضعة لهذا النوع من الأحكام المسبقة لا تستطيع أن تمتلك حقوقها الأساسية، مثل الحق بالسكن، فذلك لأن الأحكام المسبقة وما ينتج عنها من تمييز تمنع هذه الأقليات من ممارسة ذلك الحق. وذلك يؤدي إلى زيادة تهميشها، مما يقود بالمقابل الى تعزيز الأحكام المسبقة ضدها والميل إلى التمييز والشك عند التعامل معها.

ترجمة : حارث القرعاوي